"المتفرّسون العرب" وأحداث إيران
Table of Contents:
- "المتفرّسون العرب" وأحداث إيران
- Page 2
يحدّثنا تاريخ الثورة الإسلامية في إيران أنّ الخميني عاد من منافيه المتعددة التي انتهت في فرنسا محمولا على أكتاف الشارع الإيراني، الذي لم يكن الشاه يعبأ به حينذاك، وأقام نظام الثورة الإسلامية على مبدأ ولاية الفقيه، وورثه خامنئي في منصب المرشد الأعلى وغيرها من المناصب. والمفارقة اليوم هي أنّ الشارع الإيراني الذي أوصل الخميني لسدّة الحكم، لم يعد يعني المرشد الأعلى، بل إن المرشد الأعلى يؤكد أنّه "لن يخضع للشارع"، وباختصار فإن المرشد الثاني يتحدّى ويهدّد الشارع الذي أوصله وأوصل قائده الخميني لسدة الحكم!
غير أنّ تجاهل الشارع والشعب في إيران الثورة هي قديمة قدم الثورة نفسها، ذلك أنّ المنطق الأيديولوجي الذي ينطلق منه خامنئي اليوم هو نفسه الذي حكم على أساسه الخميني من قبل، فهما يحكمان بتفويضٍ إلهي لا اختيارٍا شعبيا، وفي هذا ينقل أبو الحسن بني صدر الرئيس الأول للجمهورية الإسلامية الإيرانية في لقاء مع قناة "الجزيرة" عن الخميني قوله: "وفي خطب الجمعة شجّع رجال الدين على تزوير الانتخابات للوصول إلى البرلمان، وذهبت إليه وقلت له: إن هذا الأمر مرفوض، أجابني أن لا كلمة للشعب، الكلمة لرجال الدين"، وعلى هذا درج خليفته خامنئي، فهو لا يرى حرجاً في مصادرة حق الشعب، ويستمر أيضاً في تجاهل بعض رجال الدين المعارضين ويضيّق على بعضهم، والأيام القادمة حبلى، فقد حدث الشرخ في المجتمع الإيراني، وسيكون على المرشد خامنئي تحمّل تبعات اعتماده على القوّة في قابل الأيام.
لعدة أسابيع، لم يزل الحدث الإيراني يفرض نفسه على الجميع، وسائل الإعلام والمتابعين، والأطراف المتعلقة بإيران بشكل أو بآخر، عالمياً وإقليمياً، عالمياً بالتصريحات المتتالية للمسؤولين الغربيين تجاه الأحداث الإيرانية من أوروبا إلى أميركا، وإقليمياً من قبل عديد من الدول العربية، فهذه الدول لديها ملفّات عالقة مع الطرف الإيراني تتعلق ببرنامجه النووي وتدخّلاته غير المرغوب فيها في المنطقة العربية، وأكثر من هذا سعي إيران الدؤوب للحصول على اعتراف دولي بنفوذها في المنطقة. ولا يكاد العجب ينقضي من اتهامات النظام الإيراني لبريطانيا وبعض دول الخليج بالتدخل في شؤون إيران الداخلية، وهو نظام لم يفتأ يسعى بقضه وقضيضه للتدخل السافر في كثير من دول المنطقة!
سيكون على صانع السياسة العربي قراءة ما يجري في إيران قراءةً متأنيةً، فما أثبتته الأسابيع الماضية يدل بما لا يدع مجالا للشكّ أن إيران ليست كتلةً صلدةً، ولا توجّهاً واحداً، ففيها تيارات وصراعات واختلافات وصلت حداً متهوراً أوله السجن وآخره القتل، وتأثيرات التزعزع في استقرار النظام الإيراني ستكون كبيرةً وخطيرةً على المنطقة، فيجب التعامل معها بحذرٍ وترقّب.
القصّة الأخرى التي ظل كاتب هذه السطور يرقبها في الأسابيع الماضية هي قصة المتفرّسين العرب، أولئك الذين وضعوا كلّ أوراقهم في السلّة الإيرانية من أحزابٍ وحركاتٍ ووسائل إعلامية وكتّابٍ ومثقفين، المشهد مغر؛ فالرفاق حائرون، لا يدرون ما يقولون، لقد أشبعونا حدّ التخمة بتهجمهم الدائم على الحرمان من المشاركة السياسية وحقوق الإنسان في البلدان العربية، وبخاصة دول الاعتدال العربي، فلمّا جرى في إيران ما جرى من الظلم البيّن والظاهر لمئات الآلاف من الشعب احتار الرفاق. الكُتّاب ووسائل الإعلام المتفرّسة بدلا من قراءة المشهد وتحليله ومراجعة المواقف افترقوا على خيارين: الأول: الصمت المطبق والحديث عن كوستاريكا والصومال وأي مخرج آخر. الثاني: الحديث عن الحدث الإيراني الذي أشغل العالم ولكن بطريقة فجّة تصادم المنطق وتعاكس الواقع، الذي تنقله الصور ووسائل الإعلام وتقارير المراسلين كل يوم، لا بل وتزايد في وصف نقاء المشهد الإيراني وديمقراطيته التي يأملون أن ينتقل مثلها للعالم العربي!
أمّا الطريق الثالث الذي سلكه المتفرّسون العرب، فهو طريق التجاهل والتحجيم، فقد كانت بعض وسائل الإعلام العربية المتفرّسة في بداية الأحداث في إيران، تعتمد سياسة التجاهل ومع ضغط الأحداث وسيطرتها على المشهد الإعلامي العالمي، اضطرت أن تتجرع السمّ ، وذلك السمّ هو تغطية أحداث إيران، فبدأت التغطية الإعلامية، ولكن باستراتيجية تعتمد تغطية أقلّ قدر ممكن، وبمساحة شديدة الضآلة لا تتوازى أبداً مع حجم الحدث، ومتطلّبات المهنة التي تفرض تغطيته كاملا بعيداً عن الانحيازات الأيديولوجية والسياسية، وهكذا حسبت هذه الوسائل أنّها وجدت طريق الخلاص أمام هذه المعضلة، والحقيقة أنّها خسرت كثيراً من مصداقيتها المهنية جرّاء هذا التصرّف الغريب!
إذا استبعدنا "حزب الله" اللبناني وأحزاب العراق المتفرّسة لمواقفهم الواضحة والمتوقعة، فإننا يجب ألا نستبعد المتفرّسين العرب من الجماعات الإسلامية، وعلى رأسها "الإخوان المسلمون" الذين أعلنوا تحالفهم مع الثورة الإسلامية الخمينية من أول يوم، ولم يزالوا على هذا حتى يوم الناس هذا مع استثناءات قليلة تؤكد القاعدة ولا تلغيها.
الإتحاد الإماراتية




